حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

28

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب . فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب : إذا هلك كل من في السماوات ومن في الأرض يقول الرب تعالى : لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد . فهو سبحانه يجيب عن نفسه فيقول : للّه الواحد القهار . وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكارا شديدا لأنه تعالى بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت ، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين ، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول : لمن الملك اليوم ؟ فيجيبه أهل المحشر للّه الواحد القهار ، يقوله المؤمن تلذذا والكافر هوانا وتحسرا على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد . وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 3 ] يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال : هل فيكم من يقرأ آية ؟ فقرأ رجل روّاس رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ فلما بلغ قوله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد للّه تعالى وقال : لك الملك لا لي . فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله . ومما يدل على تفرده سبحانه قوله لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبئ عن غاية الجلال والعظمة كما مر مرارا ، وباقي الآية أيضا مما سلف تفسيره مرات . ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفا إذا دنا ، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب . قال جار اللّه : يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا . وقال أبو مسلم : يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه تعالى ذكر يوم القيامة في قوله يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم ، ولأنه تعالى وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [ الواقعة : 83 ] كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ [ القيامة : 26 ] ولا ريب أن الرجل عند معاينة